غرائب العلوم · قصص طبية موثقة
ماذا يحدث حين يُزال نصف الدماغ جراحياً؟ لا تتوقع الإجابة — فهذه الحالات تتحدى كل ما يمكن تخيله عن القدرات البشرية
في عام 2024، استيقظت طفلة تُدعى لوسي في مستشفى UCLA بلوس أنجلوس بعد عملية استمرت 14 ساعة. لم تكن جراحة استئصال ورم، ولا إصلاح وعاء دموي — كانت شيئاً أكثر إثارةً للدهشة: أُزيل نصف دماغها بالكامل. وبعد أسابيع قليلة، كانت لوسي تضحك وتتكلم وتتعرف على أمها. كأن لا شيء حدث.
هذه ليست قصة خيالية، ولا معجزة دينية — إنها علم عصبي موثق يُعيد تعريف ما نظنه عن حدود الدماغ البشري. مئات الأشخاص حول العالم يعيشون اليوم بنصف دماغ فقط، ويذهبون إلى المدارس، ويخوضون امتحاناتهم، وبعضهم يحصل على شهادات جامعية. كيف يكون ذلك ممكناً؟
ما هي عملية استئصال نصف الدماغ؟
تُعرف العملية طبياً بـ Hemispherectomy (استئصال نصف الدماغ)، وهي إجراء جراحي نادر يُزال فيه أحد نصفَي الدماغ أو يُعزل تماماً عن النصف الآخر. تنقسم إلى نوعين رئيسيين: الاستئصال التشريحي الكامل حيث يُزال النصف المصاب جسدياً، والاستئصال الوظيفي الذي يُزيل جزءاً ويقطع الاتصال بين النصفين دون إزالة الكتلة الكاملة — وهذا الأخير أقل خطورة وأكثر شيوعاً اليوم.
لا يلجأ الأطباء إلى هذه العملية إلا في حالات بالغة الخطورة، أبرزها الصرع المقاوم للأدوية الذي ينشأ من نصف واحد فقط من الدماغ ولا يستجيب لأي علاج دوائي. الأسباب المؤدية إليها متعددة: التهاب دماغي مناعي ذاتي يُعرف بـ متلازمة راسموسن، ومتلازمة ستيرج-ويبر، وتضخم نصف الدماغ الخلقي (Hemimegalencephaly)، والسكتة الدماغية حول الولادة.
📊 رقم يستحق التوقف عنده
80% من الأطفال يتحسن وضعهم بشكل ملحوظ أو يتوقفون نهائياً عن النوبات
— دراسة Cleveland Clinic على 170 طفلاً، مجلة Neurology، 2013
لماذا لا يموت هؤلاء الأشخاص ولا يفقدون وعيهم؟
الإجابة في كلمة واحدة: اللدونة العصبية (Neuroplasticity). الدماغ البشري — وخاصةً في مراحل الطفولة المبكرة — ليس كمبيوتراً جامداً بمعالجات محددة لا تتغير؛ بل هو نسيج حيّ قادر على إعادة رسم خرائطه الداخلية، وإنشاء مسارات بديلة، وتحميل مهام جديدة على مناطق لم تكن مهيأة لها أصلاً.
حين يُزال النصف الأيسر — المعروف تقليدياً بأنه مركز اللغة عند معظم الناس — يبدأ النصف الأيمن المتبقي ببناء شبكات لغوية جديدة من الصفر. والعكس صحيح أيضاً. الدراسات أظهرت أن الأطفال الذين خضعوا لهذه العملية يحققون في المتوسط 85% من مستوى الأداء الطبيعي في التعرف على الكلمات والوجوه — وهو رقم صادم إذا علمنا أن نصفاً كاملاً من الدماغ قد اختفى.
الباحثة مارلين بيرمان من جامعة كارنيجي ميلون صُدمت من النتائج: "كنا نتوقع عجزاً ضخماً لدى من فقدوا نصفاً كاملاً من دماغهم. ما وجدناه كان عكس ذلك تماماً."
قصص حقيقية تتحدى المستحيل
◉ حالة موثقة · الولايات المتحدة
مورا: الفتاة التي تتحدث بنصف دماغ
وُلدت مورا مع صرع حاد نجم عن سكتة دماغية قبل الولادة. أُجريت لها العملية في طفولتها المبكرة. كانت بداياتها بطيئة — جلست في الثامنة عشر شهراً، ومشت في الثالثة والعشرين. لكنها في سادسة من عمرها بدأت بتكوين جمل، وحين بلغت سن الرشد، ألقت خطاباً في حفل البات ميتسفا (بلوغ سن المسؤولية اليهودية). اليوم تعيش حياة مستقلة وطبيعية بنصف دماغ.
◉ حالة موثقة · UCLA 2024
لوسي: 14 ساعة على طاولة العمليات، وابتسامة في الصباح
لم تكن والدة لوسي تعلم إن ستجد ابنتها بعد العملية كما كانت. قالت بعد الجراحة: "لم أكن أعرف إن كانت ستستيقظ كلوسي التي أعرفها." لكن لوسي استيقظت، وتعرفت على أمها، وأمسكت يدها. العملية التي أجراها الدكتور فلاح في UCLA Mattel Children's Hospital استغرقت 14 ساعة — وحققت ما لم تستطعه أي دواء خلال سنوات.
ماذا يحدث للدماغ داخلياً بعد العملية؟
أحد أبرز الاكتشافات العلمية في هذا المجال جاء من دراسة نُشرت في مجلة Cell Reports: حين قارن الباحثون نشاط الدماغ لمن خضعوا للعملية مع أشخاص أسوياء، وجدوا شيئاً مفاجئاً — النصف المتبقي لا يكتفي بأداء مهامه الطبيعية فحسب، بل ينمو لديه ترابط فائق بين الشبكات العصبية المختلفة داخله، وكأنه يُعوّض الغياب بتقوية الاتصالات الداخلية بشكل غير مسبوق.
يشرح الدكتور وليام بينجمان، رئيس قسم جراحة الصرع في Cleveland Clinic: "نحن في بداية فهم كيفية إعادة النصف المتبقي تنظيم اتصالاته الداخلية. ما نراه يتجاوز توقعاتنا النظرية بمراحل."
آلية الإعادة تمر بثلاث مراحل متداخلة: أولاً، تنشأ مسارات عصبية احتياطية كانت كامنة أصلاً. ثانياً، تستولي مناطق مجاورة على مهام المناطق المفقودة في عملية تُسمى التوسع الخرائطي (Cortical Remapping). ثالثاً، يُسهم التأهيل المكثف — من علاج طبيعي وعلاج نطق ومهني — في تسريع هذا التحول وتثبيته.
لماذا الأطفال أفضل حظاً من البالغين؟
هذا السؤال يقع في قلب علم الأعصاب التنموي. الدماغ في سنواته الأولى يمر بما يُسمى النافذة الحرجة (Critical Period) — مرحلة استثنائية تكون فيها المرونة العصبية في أعلى مستوياتها، وتُوزَّع فيها الوظائف على المناطق المختلفة بشكل غير نهائي بعد.
أما الدماغ البالغ فقد "استقر" — مساراته العصبية متخصصة ومترسخة. لذا حين يُصاب بالغ بسكتة دماغية تُدمر مركز اللغة في النصف الأيسر، يعاني من حبسة كلامية مزمنة. لكن رضيعاً يُجرى له استئصال النصف الأيسر بالكامل قد يتحدث بطلاقة بعد سنوات. الفارق الزمني يصنع معجزة بيولوجية.
هذا لا يعني أن البالغين لا يخضعون للعملية — فقد أُجريت لأكثر من 84 بالغاً في الأدبيات الطبية المنشورة — لكن التعافي يكون أبطأ وأصعب، وتبقى بعض الإعاقات الحركية أو اللغوية حاضرة بدرجات متفاوتة.
66%
خالون تماماً من النوبات بعد 5 سنوات
85%
معدل الأداء المعرفي مقارنة بالأسوياء
14 س
متوسط مدة العملية في الحالات المعقدة
ما الذي يخسره هؤلاء الأشخاص فعلاً؟
الصورة ليست وردية بالكامل، وأمانة المعلومة تقتضي الوضوح. الخسارة الأكثر شيوعاً هي ضعف في الجانب المقابل للنصف المُزال: إذا أُزيل النصف الأيسر فإن الجانب الأيمن من الجسم يُصاب بضعف حركي، والعكس. كثير من المرضى يستخدمون ذراعاً واحدة بصورة طبيعية، أو يمشون بخطوة مائلة بعض الشيء.
كذلك قد يكون المجال البصري محدوداً في أحد الجانبين. وبعض المهارات المعقدة التي تتطلب تنسيقاً بين النصفين — كالعزف على بعض الآلات الموسيقية بكلتا اليدين — تظل تحدياً حقيقياً. لكن الوظائف الجوهرية — الكلام، والتفكير، والذاكرة، والمشاعر، والشخصية — تتعافى بشكل لافت.
ماذا يُعلمنا هذا عن الدماغ والإنسان؟
قصص هؤلاء الأشخاص ليست مجرد حالات طبية نادرة — إنها نافذة على حقيقة مُقلقة في أعماق علم الأعصاب: نحن لا نعرف بعد حدود ما يستطيعه الدماغ البشري. لعقود، كنا نعتقد أن كل وظيفة مرتبطة بمنطقة بعينها لا تُعوَّض. هذه الحالات تقول شيئاً مختلفاً تماماً.
الدرس الأعمق ليس طبياً — بل إنساني: الدماغ الذي يبقى يُقاتل. يعيد البناء. يجد طرقاً لم تكن موجودة. وهو يفعل ذلك بصمت تام، بينما صاحبه يضحك مع أمه، أو يلقي خطاباً في يوم بلوغه.
ربما أكبر غرائب العلوم لا تسكن في أعماق الفضاء، ولا في قاع المحيط — بل تسكن داخل جمجمتك، في كتلة رمادية صغيرة تزن كيلوغراماً ونصفاً، ولا تكف عن المفاجأة.
أسئلة شائعة
📚 مصادر ومراجع
كتب هذا المقال
فريق التحرير العلمي
يُعنى فريق التحرير بمتابعة الأبحاث العلمية المحكّمة وترجمتها إلى محتوى دقيق وسهل الفهم. جميع الإحصاءات والحالات الواردة في المقال مستقاة من دراسات منشورة في مجلات علمية محكّمة ومصادر طبية موثوقة.
